تعتبر الرضاعة الطبيعية موضوعًا يتكرر في النقاشات، وأحيانًا يثير الجدل. ومن أجل تقديم منظور أوسع، أردنا إلقاء نظرة على التغيرات في العادات والتقاليد المتعلقة بالرضاعة الطبيعية حول العالم. نأمل أن يمنح هذا الأمهات في مجتمعنا تقديرًا أعمق لأهمية الرضاعة الطبيعية.
في المجتمعات التقليدية “الصيّادة والجامعة”، كانت الرضاعة الطبيعية هي الطريقة الوحيدة لإطعام الأطفال. وفي المجتمعات الزراعية القديمة، كانت الأمهات يرضعن أطفالهن أثناء العمل في الحقول. أما في الإمبراطوريات القديمة مثل مصر واليونان وروما، فكانت معظم النساء يرضعن أطفالهن بأنفسهن، بينما كانت العائلات الملكية غالبًا ما تستعين بـ “المرضعات”.
في أوروبا الغربية، ومع مرور الوقت، أصبحت الرضاعة الطبيعية مرتبطة بالطبقة الاجتماعية والمكانة. كانت النساء النبيلات والعائلات الثرية غالبًا ما يستأجرن مرضعات. وكان ذلك مرتبطًا جزئيًا بأسباب عملية، لكنه أيضًا وسيلة لإظهار التفوق على “العامة”. وخلال هذه الفترة، تحولت مهنة المرضعة إلى عمل مأجور ومنظم.
في القرن الثامن عشر، تم تشجيع النساء بشكل واسع على العودة إلى الرضاعة الطبيعية، وذلك كردّ فعل جزئي على ارتفاع معدلات وفيات الأطفال الرضّع في تلك الفترة.
ثم في القرن التاسع عشر، انخفضت معدلات الرضاعة الطبيعية مرة أخرى، بسبب انتشار الأفكار الفرويدية التي اعتقدت أن الرضاعة قد تؤدي إلى ارتباط غير صحي بين الأم والطفل. كما ساهم توفر حليب الأبقار بشكل أكبر في اعتبارِه بديلاً مناسبًا عن حليب الأم.
بعد الحرب العالمية الثانية، تبنّت العديد من العائلات الثرية والأمهات من الطبقة المتوسطة الطموحة تغذية الأطفال بالحليب الصناعي. وكان ذلك لأسباب عملية جزئيًا، ولأسباب اجتماعية تتعلق بالمكانة أيضًا. في تلك الفترة، أصبحت الرضاعة الطبيعية تُعتبر أمرًا “قديم الطراز” أو خاصًا بالفقراء فقط. بينما كان الحليب الصناعي يُنظر إليه كإنجاز علمي ورمز للتقدم. وقال الناس حينها: “أخيرًا! لقد اخترع الإنسان شيئًا ‘أفضل’ من حليب الأم!”
لم يستمر هذا التصور الخاطئ طويلاً، إذ بدأت الأبحاث تؤكد أن حليب الأم يُعد معززًا طبيعيًا لجهاز المناعة، وواقٍ من الأمراض، ويساهم في تطوير دماغ الطفل.
وهكذا، عادت الرضاعة الطبيعية إلى مكانتها! فقد تم الترويج على نطاق واسع للتثقيف الصحي حول فوائدها، وأصبحت مقبولة لجميع النساء في معظم الدول الغربية.
اليوم، يرى معظم الناس أن حليب الأم هو الخيار الأكثر صحة وسهولة واقتصادًا، وهو الأفضل للأم والطفل معًا! تاريخيًا، كانت الرضاعة الطبيعية دائمًا مرتبطة بالاتجاهات الثقافية السائدة وبقضايا الثروة والمكانة. نحن محظوظون اليوم لأننا نعيش في زمن يدعم فيه العلم والمجتمع فوائد الرضاعة الطبيعية. وللتسلية، إليك بعض العادات والاتجاهات البارزة للرضاعة الطبيعية من مختلف أنحاء العالم:
كندا
شهدت كندا عودة قوية لشعبية الرضاعة الطبيعية في السنوات الأخيرة. ووفقًا لإحصاءات كندا، فإن 87.5% من الأمهات الكنديات يُرضعن أطفالهن بعد الولادة. بينما تتوقف 21.4% منهن خلال الشهر الأول، وتستمر 53.9% في الرضاعة لمدة ستة أشهر أو أكثر، وتواصل 15.9% منهن الرضاعة لأكثر من عام.
تُظهر الإحصاءات أن الرضاعة الطبيعية في كندا ترتبط جزئيًا بمستوى التعليم؛ فالنساء ذوات التعليم العالي أكثر ميلًا للاستمرار في الرضاعة لفترة أطول. كما تتمتع النساء في كندا بحقوق قانونية قوية في هذا الشأن؛ فبموجب الميثاق الكندي للحقوق والحريات، تمتلك النساء في جميع المقاطعات الكندية الحق في إرضاع أطفالهن في أي مكان وزمان دون مضايقة.
بيرو
بيرو دولة نامية تُعتبر فيها الرضاعة الطبيعية جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية. وبفضل ثقافتها التقليدية، تتمتع بيرو بمعدلات مرتفعة جدًا من الرضاعة الطبيعية مقارنة بالعديد من الدول الغربية الصناعية.
وفقًا لـ رابطة لا ليتشي الدولية (La Leche League)، فإن 97٪ من الأطفال في بيرو يُرضَعون طبيعيًا عند الولادة، و53٪ منهم يواصلون الرضاعة الطبيعية الحصرية حتى عمر ستة أشهر. والفقر ليس دائمًا مؤشرًا على انخفاض معدلات الرضاعة؛ فوفقًا لبيانات اليونيسف (UNICEF)، في بلدان أمريكا اللاتينية مثل بيرو، يكون الأطفال من العائلات الفقيرة أكثر احتمالًا قليلًا لتلقي الرضاعة الطبيعية مباشرة بعد الولادة.
إيطاليا
يُنظر إلى إيطاليا غالبًا على أنها أكثر تقليدية من غيرها من الدول الغربية فيما يتعلق بدور المرأة في المنزل، ولذلك قد يبدو أن الرضاعة الطبيعية شائعة هناك، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
بدأت العديد من الأمهات الإيطاليات باستخدام الرضاعة بالزجاجة في السبعينيات، وأصبح هذا الاتجاه شائعًا في الأجيال التالية. بالإضافة إلى ذلك، توزع العديد من المستشفيات الإيطالية اللهايات وحليب الأطفال الصناعي. ووفقًا لبيانات رابطة لا ليتشي (La Leche League)، فإن 85٪ من الأطفال الإيطاليين يُرضَعون طبيعيًا عند الولادة، ولكن فقط 19٪ منهم يواصلون الرضاعة الطبيعية الحصرية بين عمر أربعة إلى ستة أشهر.
الولايات المتحدة الأمريكية
تدعم الولايات المتحدة الرضاعة الطبيعية، وتوجد في العديد من الولايات قوانين تسمح للنساء بالرضاعة في الأماكن العامة. كما أن 25 ولاية أمريكية لديها قوانين تحمي حقوق الرضاعة الطبيعية في أماكن العمل.
وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن ما يقرب من 74٪ من الأطفال في الولايات المتحدة قد تلقوا الرضاعة الطبيعية، ولكن فقط 33.1٪ استمروا في الرضاعة الطبيعية الحصرية حتى عمر أربعة أشهر، و13.6٪ فقط حتى عمر ستة أشهر. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى العدد الكبير من الأمهات العاملات في الولايات المتحدة اللواتي يعدن إلى العمل بعد إجازة أمومة قصيرة نسبيًا تبلغ حوالي 12 أسبوعًا.
الهند
في العديد من المناطق الريفية في الهند، يعتقد الناس تقليديًا أن اللبأ (الحليب الأول) “غير نظيف”، وللأسف، يتم التخلص من هذا الحليب الغني بالعناصر الغذائية. كما أن الأمهات الريفيات غالبًا ما يستخدمن حليب الماعز بدلاً من حليب الأم لإطعام أطفالهن. ومع ذلك، تُسجّل الهند معدلات مرتفعة للرضاعة الطبيعية؛ فوفقًا لـ رابطة لا ليتشي (La Leche)، فإن 95٪ من الأطفال الهنود يُرضَعون طبيعيًا بعد الولادة، و43٪ منهم يواصلون الرضاعة الطبيعية الحصرية حتى عمر 4 إلى 6 أشهر.
تمتلك كل دولة تحدياتها وتقاليدها الثقافية الخاصة فيما يتعلق بالرضاعة الطبيعية. لكن في جميع الثقافات، يمكن أن تكون الأساطير والمفاهيم الخاطئة حول الرضاعة ضارة – بالأمهات، بالأطفال، وبالمجتمع ككل. وفي أي بلد، يُعتبر التعليم والدعم المجتمعيان عاملين أساسيين لمساعدة النساء على اتخاذ قرارات سليمة بشأن الرضاعة الطبيعية. وبغضّ النظر عن المكان الذي نعيش فيه، فهذا هدف يمكن للجميع دعمه.




