أول صرخة يُطلقها الطفل هي احتفال بالحياة، علامة على أنه حي وبصحة جيدة. وكأنها تقول: “مرحبًا بالجميع، أنا هنا، أنا بخير، يمكنكم أن تطمئنوا الآن.” عندها يتنفس الأبوان الصعداء وتبدأ رحلة الأبوة والأمومة المذهلة. ومع ذلك، فإن المعنى الإيجابي لتلك الصرخة الأولى سرعان ما يتلاشى بعد أسبوع من الليالي الطويلة بلا نوم.
عندما يتعلق الأمر بسحر وغموض بكاء الطفل، فإن الأمر يبدأ بالتراجع بعد لحظة الولادة الأولى. إذ يبدأ الوالدان فورًا بربط البكاء بالضيق أو الألم. في كل مرة يبكي فيها الطفل، يكون رد الفعل الطبيعي هو التساؤل: “ما الخطأ؟”. وبدلاً من رؤيته كطريقة ذكية للتواصل، نعتبره جرس إنذار. وبدل أن نراه صوتًا إيجابيًا يدل على الحياة، يتحول بكاء الطفل فجأة إلى علامة استفهام. يسأل الوالدان: “لماذا يبكي طفلي؟ ماذا به؟”
الحقيقة أن البكاء هو ببساطة لغة الطفل الأولى للتواصل. يبدأ كصوت حاد وعالٍ، لكنه يصبح أكثر دقة مع مرور الوقت ومع بداية ارتباط الطفل السحري بوالديه. كم سيكون الأمر رائعًا لو وُلد الأطفال وهم قادرون على الكلام أو على الأقل استخدام لغة الإشارة! تخيّل لو أن رفع إصبع واحد يعني “أطعِمْني”، واثنين يعني “غيّر لي الحفاض”، وثلاثة يعني “أنا نعسان”. لكن الطبيعة قررت أن الأولوية لتطورات أخرى، ومنحت كل طفل رئتين قويتين كوسيلة بسيطة لجذب الانتباه. يطور الأطفال حديثو الولادة أسلوبًا مميزًا في البكاء، وتستطيع الأم تمييز بكاء طفلها من بين آلاف الأصوات. وسرعان ما تمتزج الأصوات بالحركات الجسدية، ومع مرور الأشهر تبدأ اللغة بالتكوّن، ويأخذ البكاء معنى جديدًا تمامًا – وهذا موضوع آخر لوقت لاحق.
كما ذكرنا في مقال آخر، فإن الطفل حديث الولادة لديه الكثير ليفكر فيه والكثير ليشاركه مع أمه. دخوله إلى العالم الجديد يتطلب التكيّف. فهو يريد أن يأكل، لكن في كثير من الأحيان يريد فقط الاطمئنان والاحتضان. يريد أن يكون قريبًا من أمه ليشعر بالأمان والدفء. فبعد أن عاش تسعة أشهر في رحم دافئ هادئ دائم الحركة، يصبح الانتقال إلى عالم مليء بالأضواء الساطعة والأصوات العالية والتجارب الحسية الجديدة أمرًا مربكًا جدًا. لذلك ليس من المستغرب أن يحاول الطفل التعبير عن مشاعره تجاه هذه التغيرات من خلال البكاء.
هناك العديد من المقالات التي تسرد أسباب بكاء الأطفال. في أحدها، ذكرت أم 50 سببًا تزعم أنه يجعل طفلها يبكي — أي تقريبًا كل شيء وأي شيء! ومع ذلك، فإن الجميع يعلم أن التعامل مع بكاء الطفل يتطلب فقط أربع مهارات رئيسية: الإطعام، والتغيير، والاحتضان، والحماية. هذا كل ما في الأمر. فالأطفال لا يبكون بدافع الإزعاج أو التلاعب، بل لأنهم يحتاجون إلى التواصل – وربما أيضًا لأن البكاء يساعد في تحفيز إنتاج الحليب، يا لهم من أطفال أذكياء!
يمكن القول إن الأطفال كواشف حسية ممتازة. فهم يشعرون بالخوف والثقة والسعادة والمشاعر الجديدة التي يتعلمونها كل يوم. يعرفون كيف “يضغطون على الأزرار”، وهذا يُسمى غريزة البقاء. جميعنا لاحظنا العلاقة بين مزاج الأم وسلوك بكاء الطفل. إليكم مثالًا بسيطًا: في أحد الأيام كنت في حافلة، صعدت أم وجلست بهدوء بعد أن أبرزت بطاقتها، ثم حملت طفلها واحتضنته بحنان. جلس الطفل بهدوء قرب النافذة يلعب ويبتسم للركاب. لا توتر. بعد لحظات، صعدت أم أخرى، كانت متوترة، تبحث في حقيبتها عن النقود وتكافح لشراء التذكرة، ثم جلست منهكة وهي تواصل مكالمة على هاتفها تاركة طفلها في العربة. يمكنك أن تتخيل ما حدث بعد ذلك! هذا ليس حكمًا على أساليب التربية، بل توضيح لكيفية إدراك الأطفال لبيئتهم واستجابتهم لها.
الأطفال يبكون، فهذه لغتهم الأولى للتعبير عما يدور في أذهانهم. إنهم يلاحظون مشاعر والديهم ومن حولهم ويتعلمون بسرعة كيف يستخدمون البكاء للتعبير عن الرضا أو الانزعاج والحصول على رد الفعل المطلوب. لا تنسَ أن الأطفال مبرمجون على البقاء لا على الدبلوماسية – فالبكاء هو لغتهم الوحيدة.
منذ اللحظة التي يدخل فيها الطفل إلى العالم، يبدأ محاولة التواصل. ويقع على عاتق الوالدين الرد وبناء أنماط تفاعل صحية، والنظر إلى البكاء كفرصة للتعلّم وتحسين التواصل مع الطفل. قد يبدو ذلك بسيطًا، لكن من قال إن التعلم دائمًا ممتع؟ فالتواصل طريق ذو اتجاهين، وكلما استمعت الأم لبكاء طفلها واستجابت له بالحب والصبر، أصبحت خطوط التواصل بينهما أقوى عندما يكبر ويبدأ في التعبير بالكلمات والأفعال عن مشاعره واحتياجاته.
كيف تتعاملين مع بكاء طفلكِ؟ يُرجى ترك تعليقاتكِ أدناه أو الانضمام إلى مجتمع ميديلا على فيسبوك.




